صديق الحسيني القنوجي البخاري
62
فتح البيان في مقاصد القرآن
الدار الآخرة ، ويمكن أن يشاهدها في هذه الدار من يختصه اللّه بذلك ليست عقلية قائمة بالعقل ، ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات التي نشاهدها أن تلك غيب وهذه شهادة قال تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وكون الشيء غائبا وشاهدا أمر إضافي بالنسبة إلينا ، فإذا غاب عنا كان غيبا ، وإذا شاهدناه كان شهادة ، ليس هو فرقا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشاهد ولا تحس ، بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يشاهد بحال فإنما يكون في الذهن ، والملائكة يمكن أن يشاهدوا ويروا الرب تعالى ، ويمكن رؤيته بالأبصار والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها ، وإمكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة ، لكن ليس هو الدليل الذي سلكه طائفة من أهل الكلام كأبي الحسن وأمثاله حيث ادعوا أن كل موجود يمكن رؤيته ، بل قالوا ويمكن أن يتعلق به الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، فإن هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العلماء ، وهذا من أغاليط بعض المتكلمين ، هذا . قوله : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يداومون عليها ، والإقامة في الأصل الدوام والثبات ، وليس من القيام على الرجل ، وإنما هو من قولك قام الحق أي ظهر وثبت ، وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها وحفظها من أن يقع فيها خلل في فرائضها وحدودها وزيغ في أفعالها وإتمام أركانها ، والصلاة أصلها في اللغة الدعاء من صلى يصلي إذا دعا ، ذكر هذا الجوهري وغيره ، وقال قوم هي مأخوذة من الصلا ، وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب ، ذكر هذا القرطبي ، وهذا هو المعنى اللغوي . وأما المعنى الشرعي فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان والأذكار ، قال ابن عباس المراد به الصلوات الخمس وقال قتادة إن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها . وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يخرجون ويتصدقون في طاعة اللّه وفي سبيله والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حراما خلافا للمعتزلة فقالوا إن الحرام ليس برزق ، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا ، والإنفاق إخراج المال من اليد وأنفق الشيء وأنفذه أخوان ، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالا على معنى الذهاب والخروج . وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف والتبذير ، وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤوس الآي ، قال أبو بكر الباقلاني : ذهب الأشاعرة كلهم إلى نفي السجع عن القرآن ، وذهب كثير ممن خالفهم إلى إثباته انتهى ، قال البقاعي الثاني فاسد ، وأطال في بيان ذلك بلا طائل ، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر ، وكأن من نفاه نفى التزامه أو أكثريته ، ومن أثبته